السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

521

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

على أن الخطاب في الأصل في هذه الآيات المتقدمة لأولياء الأيتام ، وأن المال المذكور مالهم قوله جل قوله « وَارْزُقُوهُمْ فِيها » بأن تتجروا فيها وتنفقوا عليهم من أرباحها لا من أصلها ، لأنها إذا لم تزد تنقص وتخلص وتأكلها الزكاة فيصبحون فقراء عالة عليكم وكلا على الناس ، وقد جاء بالخبر اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة « وَاكْسُوهُمْ » أيضا من نمائها بحسب أمثالهم « وَقُولُوا لَهُمْ » أيها الأولياء الكاملون عندما يريدون منكم زيادة على المعتاد من النفقة واللباس « قَوْلًا مَعْرُوفاً » ( 5 ) بأن هذا المال لكم وربحه لكم فإذا كبرتم وكنتم صالحين راشدين سلمناكم إياه ، فتتصرفون فيه كيفما شئتم وأردتم من طرق التجارة ومن النفقة والكسوة وغيرها ، لأنا مكلفون بالاقتصاد بها ، وأن لا نتفق عليكم إلا بقدر الكفاية وبنسبة أمثالكم لتسكن أنفسهم ويرغبوا بأن يكونوا أهلا لاستلامها ، وهكذا من الكلام الطيب والقول الحسن والأعمال المرغبة شرعا وعقلا لأن الفعل الجميل والكلام اللين يؤثر في القلب فيسبب إزالة السفه عنهم ، ولهذا يقول اللّه تعالى « وَابْتَلُوا الْيَتامى » البالغين الكبار ، وسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه من قبل ، أي اختبروهم وامتحنوهم قبل أن تسلموهم أموالهم ، ولا تغتروا بكبرهم وشقشقة ألسنتهم وأدبهم أمامكم ، فإنهم قد يكونون على خلافه مع غيركم . وقد ذكرنا قبلا اليتيم الذي مات أبوه ، ومعناه المنفرد ، ومنه الدرة اليتيمة ، والعجي من ماتت أمه ، واللطيم من فقد أبويه « حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ » وزال عنهم اسم اليتيم وصاروا أهلا للزواج بأن أكملوا الثامنة عشرة من عمرهم « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً » بالاختبار الذي أجريتموه وتحققتم رزانة عقولهم وقدرتهم على إصلاح أموالهم وأمانتهم عليها « فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ » ليتصرفوا فيها بأنفسهم لأنكم أديتم ما عليكم نحوهم وقمتم بواجبكم في أموالهم ، أما إذا لم يتحقق لكم رشدهم ولا صلاحيتهم للانتفاع بأموالهم فلا تعطوهم إياها ، والأولى بالولي أن يدفع لليتيم أولا بعض ماله ويأمره بالاتّجار به ، فإن تبين له صلاحه ولياقته واقتصاده ووضع ما يصرفه موضعه المقبول أعطاه بقية ماله لأنه راشد يتمكن من التصرف به ، وإن رأى العكس فهو سفيه لا يسلمه شيئا ، ثم يختبره بالدين فإن رآه مجتنبا الفواحش